مقالات صحفية

ما الذي تُريده إيران من سوريا ؟

لا يخفى على أحد أنه لولا الدعم الإيراني الكبير لنظام بشار الأسد لكان هذا النظام سقط منذ سنوات، إلّا أنّ تدخل إيران في سورية ودعمها لبشار الأسد وبكل إمكاناتها أدّى إلى صمود هذا النظام شكلياً إلى الوقت الراهن، على الرّغم من سقوطه أخلاقيّاً ودينياً وفكرياً وحتى شعبياً وهو ما يفتح المجال للحديث عن سبب الإستماتة الإيرانية بالدفاع عن بشار الأسد ونظامه وإمداده بكل ما يحتاجه من الأموال والأسلحة والجنود بعد سيطرتها المباشرة على قرارات النظام السياسية والإقتصادية والعسكرية.

مما لا شك فيه أنّ عوامل عديدة تدفع إيران إلى تسخير كل إمكاناتها وقدراتها للدفاع عن بشار الأسد ونظامه ومنع سقوطه إن أمكنها .

أهم هذه العوامل على الاطلاق هو سعي إيران لضمان مصالحها الإستراتيجية في سورية وفي محيطها المباشر، فكما هو معروف في العلاقات الدولية أن المصلحة الوطنية هي المحرّك الأساسي لأي دولة في علاقاتها مع بقية الدول، وبالنسبة لإيران فإنّ مصلحتها الوطنية في سورية وفي المنطقة تكمن في عدد من النقاط الأساسية أهمّها على الاطلاق الحفاظ على نظام بشار الأسد من السقوط، لأن سقوط بشار الأسد ونظامه قد يكون بدايةً لسقوط مشروعها “الصفوي” الذي يقوم على “تفريس” المنطقة وإفقادها صبغتها العروبية .

فإيران تُدرك أنّ سقوط  نظام بشار الأسد سيوجّه ضربة قوية لمشروعها في المنطقة بعد أن استفادت إيران في السنوات الأخيرة من التطورات الكبيرة في “الشرق الأوسط “، والتي تمثّلت بإحتلال أمريكا لأفغانستان وإسقاط نظام طالبان، ثم احتلالها للعراق وإسقاط نظام صدام حسين، العدو اللّدود لإيران، ثم خروج أمريكا من العراق وتركه ساحة لإيران وميليشياتها  وهو ما كان بداية حقيقة لإيران لتنفيذ مشروعها في المنطقة، و الذي تشكّل فيه سورية حجر الزاوية بسبب موقعها الاستراتيجي الذي يُطل على البحر المتوسط، وتشكيلها ممر آمن لعبور السلاح إلى حزب الله اللّبناني .
وبالتالي فإن سورية بموقعها تشكّل حلقة مهمة من حلقات السيطرة الإيرانية والتي تربط حلقة العراق بحلقة لبنان، وبالتّالي فإن إيران تُدرك أن خسارتها لحلقة سورية، سيؤدّي ذلك إلى إضعاف حلقتي العراق ولبنان، وربّما سيُؤدّي ذلك إلى سقوطهم أيضاً، لذلك تستميت إيران في الدفاع عن بشار الأسد و نظامه .

ومن جهة أخرى تُدرك إيران أن سقوط  بشار الأسد ونظامه سيشكّل  خطراً على أمنها القومي باعتبار أن سورية ومعها العراق تشكّلان خط الدفاع الأوّل عن إيران، وهذا ما صرّح به العديد من المسؤولين الإيرانيين، “كعلي شمخاني” رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الذي قال: “إنّ إيران تُضحّي بدمائها في العراق وسورية كي لا تضطر لمثل هذه التضحيات في طهران”، وهذا ما أكّده أيضاً العميد “حسين حمداني” القائد السابق لحرس الثوري الإيراني، عندما قال: “إن حدود دفاع إيران أصبحت في جنوب لبنان، وأن بشار الأسد يخوض الحرب بالنيابة عنا”، وهو ما أكّده أيضاً “حجة الإسلام مهدي طائب”، الرئيس الحالي لمركز أبحاث “قاعدة عمار” التابع لخامنئي: “إنّ سورية هي المقاطعة الـ 35 لإيران، ولو خسرنا سورية لا يُمكن أن نحتفظ بطهران، ولكن لو خسرنا إقليم خوزستان “الأهواز” سنستعيده ما دُمنا نحتفظ بسورية، لذلك فإنّ الأولوية لنا تكمن في الحفاظ على سورية ”  .

كذلك يمكن القول أن إيران تستميت في الدفاع عن بشار الأسد ونظامه كونها تستغلّ هذا النظام وتستخدمه كأداة من أدوات تنفيذ سياساتها وخططها في المنطقة للوقوف في وجه الأعداء والمنافسين الإقليميين المحتملين لها، وهذا ما أكّده “علي أكبر ولايتي” كبير مستشاري المرشد الأعلى للشؤون الخارجية خلال مؤتمر صحفي عقده في 27 آذار 2013، بقوله “إن سورية حلقة ذهبية من حلقات المقاومة ضد إسرائيل، وأن إيران غير مستعدة لفقدان هذا الموازن الذهبي”، أي أنّ إيران في حال خسارتها لنفوذها في سورية سيُؤدّي ذلك عملياً إلى تراجع نفوذها الإقليمي وتحوّلها إلى دولة قوية داخل حدودها، بعد خسارتها لذراع طويلة في المنطقة كانت تستخدمها و تحركها كيفما شاءت لتصفية حساباتها السياسية في المنطقة .

ومن جهة أخرى يمكن الحديث عن الشق الاقتصادي للمصالح الإيرانية في سورية والمنطقة، فعلى الرغم من التكلفة الكبيرة التي صرفتها إيران في سبيل دعم بشار الأسد وإبقاءه في السلطة إلا أن هذه التكاليف تُعد بسيطة مقارنة بنتائجه وفعاليته المتوقعة “السياسية والاقتصادية” في حال حقّقت إيران أهدافها، وهنا يُمكن الحديث بشكل أساسي عن مشروع خط الغاز الإسلامي، والذي يُعد أحد أكبر المشاريع الإستراتيجية لإيران لتصدير الغاز الإيراني من منطقة عسلوية على الخليج العربي عبر العراق إلى سورية ولبنان ومنها إلى  أوربا دون المرور بالأراضي التركية، وبطاقة تبلغ 40 مليار متر مكعّب سنوياً، ستُدر ما يقارب الأربعة مليارات دولار سنوياً على الخزينة الإيرانية، وهو ما سيُعزّز من دور إيران المستقبلي في سوق الطاقة ويُعزز أمن الطاقة لديها بعد تصدير مواردها النفطية والغاز بعيداً عن الأراضي التركية, لهذا ترى إيران أنه من الضروري الإبقاء على نظام بشار الأسد لتأمين مشروعها الاستراتيجي باعتبار أنّ أمنها الإقتصادي “أمن الطاقة” يمر بجزء منه من سورية ولبنان عبر الإبقاء على بشار الأسد ونظامه، وعلى دور حزب الله السياسي والأمني في لبنان على المدى البعيد لمد خط الغاز الإسلامي إلى أوربا مستقبلاً عبر الأراضي السورية واللبنانية .

إي أن الحفاظ على بشار الأسد ونظامه يُعد حفاظاً على أمن إيران القومي بشقيّه السياسي– العسكري والإقتصادي “أمن الطاقة”، لذلك كانت إيران تربط دائماً أي تسوية سياسية للأزمة في سورية بتحقيق شروطها، والتي كانت تتمحور بمجملها حول حماية مصالحها ومكتسباتها في سورية عبر مجموعة من الإجراءات، أهمّها تشكيل هيكل سياسي عسكري طائفي “الطائفة العلوية وميليشياتها على شاكلة حزب الله في لبنان، يكون ذراع لها في سورية وقادر على حماية مصالحها ومكتسباتها، في ظل قناعة إيرانية بأنّ بشار الأسد سيسقط عاجلاً أو آجلاً وأنّ سقوطه مسألة وقت ليس إلا، وربّما هذا ما يدفع إيران إلى تغيير أولوياتها،  بعد دخول الثورة السورية عامها الخامس، وفي ظل الانتصارات الكبيرة والمهمة التي حقّقتها كتائب المعارضة في الشمال و الجنوب السوري، ويدفعها إلى تقوية الميليشيات العسكرية الطائفية لتكون قادرة على حماية مصالحها الحيوية في سورية بعد سقوط نظام بشار الأسد، وهذا ما كان قد أوضحه أحد المسؤولين العراقيين بعد لقائه بـ “قاسم سليماني”، بقوله: “إنّ مهمة قاسم سليماني في سورية معقّدة، فهي لا تقتصر على حماية النظام من الإنهيار، بل على الحفاظ على المصالح الإيرانية في لبنان وسورية إذا ما سقط النظام أيضاً، وهذا ما تسعى لتحقيقه عبر إنشاء بعض الميليشيات وتقويتها لتستمر بتحقيق مصالح إيران إذا ما سقط الأسد”، وهو ما يُؤكّد أن إيران ممكن أن تسلّم بخسارة بشار الأسد، ولكنّها  لنْ تسلّم بخسارة مصالحها في سورية وفي المنطقة، وستُبقي ميليشياتها الطائفية في سورية لإستخدامها كورقة لإضعاف وزعزعة أمن أي نظام جديد يأتي بعد انهيار الأسد، وأيضاً كورقة تفاوضية في لعبة تبادل المصالح مع القوى الإقليمية والدولية .

د.بشار أحمد

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق