مقالات صحفية

الأسد ما بين الهزيمة المحتومة والصّمود المفضوح

لم يكن كلام السفير الأمريكي السابق “روبرت فورد” في دمشق، في مقاله الأخير الذي جاء تحت عنوان “نظام الأسد بداية النهاية”، والذي نُشر بتاريخ 24 /4/2015 في معهد الشرق الأوسط ليمر مرور الكرام، وخاصةً في ظل الأحداث المتسارعة التي تشهدها الساحة السورية في الآونة الأخيرة، والتي كان أهم مشهد فيها سقوط مدوّي وكبير للقوات النظامية وميليشياتها في العديد من مناطق الشمال والجنوب السوري.

حيث أخذ مقال روبرت فورد كغيره من المقالات التي تصدر من مسؤوليين كبار في عواصم صناعة القرار انتشاراً واسعاً وبُنيت عليه العديد من التحليلات والمداخلات، ونال الكثير من النقد والتفسيرات من قبل العديد من الباحثين والمهتمين بالشأن العربي عموماً وبالشأن السوري خصوصاً، نظراً لما حمله من دلالات وفنّد العديد من النقاط التي تعطي مؤشّرات واضحة على قرب سقوط نظام الأسد، والتي تتناقض تماماً مع أحاديث سابقة له تحدّثت عن صمود النظام وقوته، ليتبادر إلى الأذهان التساؤل التالي “هل فعلاً اقتربت نهاية نظام الأسد؟”.

جميع المؤشرات والدلالات تعطي انطباع أولي على أن نظام الأسد انتهى، فما خسره النظام خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة خير دليل على ذلك، يُضاف إلى انكسارٍ كبير في معنويات الجيش النظامي وميليشياته، والتي تترافق مع حالة رعب وخوف هائل في أوساط العلويين في الساحل السوري مع اقتراب النار من مناطقهم، في وقتٍ خلتْ معظم القرى العلوية من الشباب والرجال الذين سقطوا في ساحات القتال، والذين يُقدّر عددهم بـ100 ألف قتيل تتراوح أعمارهم بين 18 و 40، الأمر الذي أحدث نوعاً من العصيان في بعض المناطق, تطور إلى مواجهات في بعض المناطق هرباً من القتال مع ميليشيات بشار الأسد .

ترافقت كل هذه التطورات مع أحداث أخرى فاقمت حالة التخبّط والخوف في أجهزة النظام وخلخلت بُنْيانه، والتي كان عنوانها الرئيسي التناحر بين الأفرع الأمنية السورية وسقوط متتالي لقادة الأجهزة الأمنية بدءاً بحافظ مخلوف المسؤول الأول عن أمن العاصمة دمشق، والذي فرّ إلى الخارج ليتلحق بوالده، ومروراً بعزل كل من رستم غزالي رئيس شعبة الأمن السياسي قبل مقتله، ورفيق شحادة رئيس المخابرات العسكرية، إثر خلافات بين الشخصين، وانتهاءاً بالقبض على منذر الأسد ابن عم الرئيس على خلفية تقارير تكلمت على اتصالات بينه و بين عمه رفعت الأسد في محاولة للإطاحة بنظام بشار الأسد.

يُضافُ إلى ذلك الروح المعنوية العالية للكتائب المقاتلة بعد توحدها في معظم المناطق تحت راية واحدة وهدف واحد بعد أن كانت وطوال أربع سنوات تعمل في إطار جغرافي وعسكري ضيق  وتسعى لتحقيق أهداف ضيّقة لا تتخطى فكرة النصر المعنوي على النظام، وهو ما ساعدها وخلال فترة وجيزة بتحرير مدينة إدلب كثاني مركز محافظة تخرج عن سيطرة النظام بعد الرقة، وسيطرتهم على مدينة بصرى الشام ذات الموقع الاستراتيجي في درعا، وخزان الميليشيات الطائفية الشيعية، ومعها معبر نصيب الحدودي مع الأردن كآخر معبر يربط مواقع النظام  بالأردن، وهو ما شكّل ضربة اقتصادية ضخمة للنظام لاحت تأثيراتها بعد فترة وجيزة تمثّلت بارتفاع أسعار معظم الخضار والفواكه بنسبة لامست 500%، أتبعوها  بتحرير أقسام كبيرة من الريف الإدلبي، والتي كان آخرها السيطرة على مدينة جسر الشغور ذات الموقع الاستراتيجي، ثم السيطرة على معسكر القرميد الذي يُعد من أهم القواعد العسكرية لنظام الأسد لتأمين خط امداده بين مدينتي إدلب واللاذقية، إلى جانب المعارك الكُبرى التي يخوضها الثوار وفي مختلف المناطق السورية .

وهنا أيضاً يمكن وضع الضربات الإسرائيلية الأخيرة, والتي طالت عدد من المواقع ومنها اللواء 155 في القطيفة ضمن المؤشرات على قرب نهاية النظام، فضرب اللواء 155 الذي يضم الصواريخ الاسراتيجية، وفي هذا الوقت الذي يشهد تقدم كبير للثوار، يقدم رسالة واضحة أن اسرائيل تخشى أن تقع هذه الصواريخ بيد الثوار فيما لو سقط نظام الأسد، لذلك لابد من تدميرها تحسّباً لسقوط بشار الأسد الذي أضحى قريباً.

جميع هذه المقدمات تعُطي مؤشّرات واضحة عن قرب  نهاية نظام بشار الأسد، إلّا أنه في الوقت ذاته يجب أن لا ننجر كثيراً بعواطفنا تجاه هذا الأمر ونبالغ بتفاؤلنا، فصحيحٌ أنّ نظام بشار الأسد أصبح ضعيفاً جداً والثوار في تقدّم مستمر، إلا أن تواطئ المجتمع الدولي بأكمله قد يكون حاجز مؤقت يمنع سقوط النظام بالطريقة التي يريدها الشعب السوري والثوار السوريون، فالحرب في سوريا لم تعد حرب بين الثوار السوريون من جهة ونظام الأسد وميليشياته من جهة أخرى، وإنّما هي حرب بين الثورة السورية من جهة و العديد من االقوى الإقليمية والدولية من جهةٍ أخرى كروسيا وإيران اللّتان تُدافعان عن مصالحهما في سورية ناهيك عن حروب الوكالة التي  تجري على الأرض السورية، والتي تمثّل كسر عظام بين العديد من القوى الاقليمية والدولية، وهي أمور قد تُؤخّر سقوط نظام الأسد لفترة إلا أنها لن تمنع سقوطه، فالشعب السوري حزم خياراته منذ اليوم الأول لإنطلاق الثورة باسقاط النظام والشعب قدّم مئات الآلاف من الشهداء والجرحى ومئات الآلاف من المهجّرين، وهو مستمر في النضال لتحقيق هدف ثورته وإن طال الزمان وتواطئ العالم ضدنا .

د.بشار أحمد

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق